قصيدة أبو الحسن التهامي الحسني -رحمه الله-  رثاء لابنه

والذي يقال انه رؤي بعد موته بالمنام وهو بالجنه فقيل له

بما أدخلك الله الجنه فقال بهذا البيت

جاورت أعدائي وجاور ربه  ..  شتان بين جواره وجواري

والقصيدة طويلة تستحق القراءة لما تحتويها هذه الأبيات من حكم

 إن من الشعر لحكمة

حكم المنية فـي البريـة جـار  ..  ما هـذه الدنيـا بـدار قـرارِ

بينا يرى الإنسان فيهـا مخبـرا   ..  حتى يرى خبرا مـن الأخبـار

طبعت على كدر وأنت تريدهـا  ..  صفوا من الأقـذار والأكـدار

ومكلف الأيام ضـد طباعهـا  ..  متطلب في المـاء جـذوة نـار

وإذا رجوت المستحيـل فإنمـا  ..  تبني الرجاء على شفيـر هـار

فالعيـش نـوم والمنيـة يقظـة  ..  والمـرء بينهمـا خيـال سـار

فاقضوا مآربكـم عجـالا إنمـا  ..  أعماركم سفر مـن الأسفـار

وتراكضوا خيل الشباب وبادروا  ..  أن تستـرد فإنـهـن عــوار

فالدهر يزرع بالمنى ويغـص أن  ..  هنّا ويهـدم مـا بنـى ببـوار

ليس الزمان وإن حرصت مسالما  ..  خُلق الزمان عـداوة الأحـرار

إني ُوترت بصـارم ذي رونـقا  ..  أعددتـه لطـلابـة الأوتــار

والنفس إن رضيت بذلك أو أبت  ..  منـقـادة بـأزمـة المـقـدار

أثنى عليـه بإثـره ولـو أنـه   ..  لـم يغتبـط أثنيـت بـالآثـار

ياكوكبا ما كان أقصـر عمـره  ..  وكذاك عمر كواكب الأسحـار

وهلال أيام مضى لـم يستـدر  ..  بدرا ولم يمهـل لوقـت سـرار

عجل الخسوف عليه قبل أوانـه  ..  فمحاه قبـل مظنـة الإبـدار

واستـل مـن أترابـه ولداتـه  ..  كالمقلة استلت مـن الأشفـار

فكـأن قلبـي قبـره وكأنـه  ..  في طيه سـر مـن الأسـرار

إن يعتبـط صغـرا فـرب مقمـم  ..  يبدو ضئيل الشخـص للنظـار

إن الكواكب في علـو محلهـا  ..  لترى صغارا وهي غيـر صغـار

ولد المعزى بعضه فـإذا مضـى  ..  بعض الفتى فالكل فـي الأثـار

أبكيه ثـم أقـول معتـذرا لـه  ..  وفقت حيـن تركـب الأم دار

جاورت أعدائي وجـاور ربـه  ..  شتان بيـن جـواره وجـواري

ثوب الرياء يشف عمـا تحتـه  ..  وإذا التحفت بـه فإنـك عـار

قصرت جفوني أم تباعد بينهـا  ..  أم صُورت عينـي بـلا أشفـار

جفت الكرى حتى كأن غـراره  ..  عند اغتماض العين وخز غـرار

ولو استزارت رقدة لطحا بهـا  ..  ما بيـن أجفانـي مـن التيـار

أُحيي الليالي التم وهـي تميتنـي  ..  ويميتهـن تبلـج الأسـحـار

حتى رأيت الصبح تهتـك كفـه  ..  بالضوء رفرف خيمـة كالقـار

والصبح قد غمر النجوم كأنـه  ..  سيـل طغـى فطفـا النـوار

والهون في ظل الهوينـا كامـن  ..  وجلالة الأخطار فـي الأخطـار

تندي أسـرة وجهـه ويمينـه  ..  في حالة الإعصـار والإيسـار

ويمد نحـو المكرمـات أنامـلا  ..  لـلـرزق أثنائـهـن مـجـار

يحوي المعالي كاسبـا أو غالبـا  ..  أبدا يـداري دونهـا ويـداري

قد لاح في ليل الشباب كواكب  ..  إن أمهلت آلت إلـى الأسفـار

وتلهب الأحشاء شيب مفرقـي  ..  هذا الضياء شواط تلـك النـار

شاب القذال وكل غصن صائر  ..  فينانه الأحـوى إلـى الأزهـار

والشبه منجذب فلم بيض الدمى  ..  عن بيض مفرقـة ذوات نفـار

وتود لو جعلت سـواد قلوبهـا  ..  وسواد أعينها خضـاب عـذار

لاتنفر الظبيات عنه فقـد رأت  ..  كيف اختلاف النبت في الأطوار

شيئـان ينقشعـان أول وهلـة  ..  ظل الشباب , وخلة الأشـرار

لاحبذا الشيب الوفـي وحبـذا  ..  ظل الشبـاب الخائـن الغـدار

وطرى من الدنيا الشباب وروقه  ..  فإذا انقضى فقد انقضت أوطاري

قصرت مسافته ومـا حسناتـه  ..  عـنـدي ولا آلاؤه بقـصـار

نزداد همسا كلما ازددنـا غنـى  ..  والفقر كل الفقر فـي الإكثـار

ما زاد فوق الزاد خُلِّف ضائعـا  ..  في حـادث أو وارث أو عـار

إني لأرحم حسـادي لحـر مـا  .. ضمنت صدورهم من الأوغـار

نظروا صنيع الله بـي فعيونهـم  ..  في جنـة وقلوبهـم فـي نـار

لا ذنب لي قد رمت كتم فضائل  ..  فكأنهـا برقعـت بوجـه نهـار

وسترتها بتواضعـي فتطلعـت  ..  أعناقها تعلـو علـى الأستـار

ومن الرجـال معالـم ومجاهـل  ..  ومن النجوم غوامـض ودراري

والناس مشتبهون فـي ايرادهـم  ..  وتفاضل الأقوام فـي الأصـدار

عمري لقد أوطاتهم طرق العـلا  ..  فعموا فلم يقفوا علـى آثـاري

لو أبصروا بقلوبهم لاستبصـروا  ..  وعمى البصائر من عمى الأبصار

هلا سعوا سعي الكرام فأدركوا  ..  أو سلمـوا لمواقـع الأقــدار

ولربما اعتضد الحليـم بجاهـل  ..  لا خير في يمنـى بغيـر يسـار

  • العريفي وقصة رثاء التهامي لولده : جاورت اعدائي وجاور ربه